حسن النجار يكتب: هدنة إيران وترامب تمهد لصدام أكبر قادم
المفكر السياسي حسن النجار المختص في الشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم
حسن النجار – يكتب
لم تتوقف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لكنها انتقلت من ساحات القتال المباشر إلى ميادين الرسائل السياسية والتهديدات المتبادلة. فالمشهد الحالي لا يعكس سلامًا حقيقيًا، كما أنه لا يشير إلى حرب شاملة، وإنما إلى هدنة هشة فرضتها ظروف المرحلة، بينما يواصل كل طرف الاستعداد لجولة جديدة قد تكون أكثر خطورة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال يكرر في أكثر من مناسبة أن مذكرة التفاهم مع إيران أصبحت من الماضي، رغم أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن الاتفاق لم يُطوَ بالكامل، وأن قنوات الاتصال لم تُغلق بصورة نهائية. ويبدو أن تكرار هذه التصريحات يهدف إلى ترسيخ موقف سياسي أكثر منه إعلانًا عن واقع جديد.
وفي المقابل، وجدت إسرائيل في هذا المناخ فرصة لإعادة تصعيد خطابها العسكري، إذ تحدث مسؤولون إسرائيليون عن جاهزية تل أبيب للمشاركة في أي تحرك عسكري جديد تقوده واشنطن ضد إيران، في رسالة تعكس رغبة حكومة بنيامين نتنياهو في إبقاء خيار القوة حاضرًا، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية.
ويبدو أن نتنياهو يسعى إلى استثمار التوتر الإقليمي لتعزيز موقعه السياسي، سواء عبر الضغط باتجاه مواجهة مع إيران، أو من خلال توسيع دائرة العمليات العسكرية في غزة أو لبنان إذا تعذر فتح جبهة مباشرة مع طهران.
في المقابل، لا تبدو القيادة الإيرانية موحدة بالكامل حول مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة. فداخل دوائر الحكم الإيرانية يبرز تيار يرى أن التهدئة الحالية كانت ضرورة فرضتها الظروف العسكرية والاقتصادية، بينما يدفع تيار آخر نحو إنهاء أي مسار تفاوضي والعودة إلى سياسة المواجهة المباشرة.
ورغم غياب المرشد الأعلى عن المشهد العام خلال الفترة الماضية، فإن بصماته لا تزال حاضرة في كثير من القرارات، بينما يحاول قادة الحرس الثوري إظهار حالة من التوازن بين الأجنحة المختلفة، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية لبنود التفاهم مع واشنطن، حتى وصل الأمر إلى توجيه اتهامات ضمنية للمفاوضين بالتفريط في ثوابت الثورة.
هذه الخلافات تؤكد أن الهدنة لم تكن نتيجة اقتناع متبادل بإمكانية السلام، بل جاءت باعتبارها استراحة مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق واستعادة القدرات، استعدادًا لمرحلة جديدة من الصراع.
أما على الجانب الأمريكي، فقد كشفت التطورات أن الضربات العسكرية لم تحقق الحسم الذي كانت تطمح إليه واشنطن، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى القبول بتفاهمات مؤقتة، مع محاولة تعديل شروطها تدريجيًا عبر الضغوط السياسية والاقتصادية.
وتبقى أزمة مضيق هرمز إحدى أكثر الملفات حساسية. فإيران تعتبر أن امتلاكها القدرة على التأثير في الملاحة داخل المضيق يمثل ورقة ردع استراتيجية تمنحها نفوذًا يتجاوز حدودها الجغرافية، بينما ترفض الولايات المتحدة وحلفاؤها أي محاولة لتحويل هذا الممر الدولي إلى أداة ضغط سياسية أو عسكرية.
ومن هنا، فإن الخلاف لم يعد مقتصرًا على البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل امتد إلى طبيعة النظام الأمني في الخليج ومستقبل التوازنات الإقليمية، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى تسوية دائمة أكثر تعقيدًا.
ورغم أن المؤشرات الحالية لا توحي باندلاع حرب واسعة خلال المدى القريب، فإن استمرار المناوشات السياسية والعسكرية يرفع احتمالات وقوع أخطاء غير محسوبة قد تعيد إشعال المنطقة في أي لحظة، خاصة إذا نجحت إسرائيل في دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة جديدة، أو إذا حسم المتشددون في إيران موقفهم لصالح التصعيد.
كما أن المواقف الأوروبية الأخيرة، التي أبدت تفهمًا للتحركات الأمريكية في المنطقة، قد تسهم في إعادة تشكيل تحالف غربي أكثر تماسكًا، بما يغيّر موازين القوى خلال المرحلة المقبلة.
في النهاية، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى فترة انتقالية منها إلى نهاية للصراع. فلا واشنطن تخلت عن سياسة الضغوط، ولا طهران تراجعت عن مشروعها الإقليمي، بينما تواصل إسرائيل الدفع نحو إبقاء المنطقة على حافة الانفجار.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كانت المواجهة ستتجدد، وإنما حول توقيتها وشكلها وحدودها. فالصراع لا يزال مفتوحًا، والهدوء الراهن ليس سوى محطة مؤقتة تسبق مرحلة جديدة من إعادة رسم موازين القوة في الشرق الأوسط.








